ابن كثير

105

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

داود والنسائي وابن ماجة من غير وجه عن الأعمش به . وقال الإمام أبو بكر عبد اللّه بن الزبير الحميدي في مسنده : حدثنا سفيان بن عيينة ، حدثنا مجالد بن سعيد الهمداني عن الشعبي ، عن جابر بن عبد اللّه ، قال : زنى رجل من أهل فدك ، فكتب أهل فدك إلى ناس من اليهود بالمدينة ، أن سلوا محمدا عن ذلك ، فإذا أمركم بالجلد فخذوه عنه ، وإن أمركم بالرجم فلا تأخذوه عنه ، فسألوه عن ذلك ، فقال « أرسلوا إلي أعلم رجلين فيكم » فجاؤوا برجل أعور يقال له ابن صوريا ، وآخر ، فقال لهما النبي صلّى اللّه عليه وسلم « أنتما أعلم من قبلكما » فقالا : قد دعانا قومنا لذلك ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لهما « أليس عندكما التوراة فيها حكم اللّه » قالا : بلى ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم « أنشدكم بالذي فلق البحر لبني إسرائيل ، وظلل عليكم الغمام ، وأنجاكم من آل فرعون ، وأنزل المن والسلوى على بني إسرائيل ، ما تجدون في التوراة في شأن الرجم ؟ فقال أحدهما للآخر : ما نشدت بمثله قط ، ثم قالا : نجد ترداد النظر زنية ، والاعتناق زنية ، والتقبيل زنية ، فإذا شهد أربعة أنهم رأوه يبدئ ويعيد ، كما يدخل الميل في المكحلة ، فقد وجب الرجم ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم « هو ذاك » فأمر به فرجم ، فنزلت فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ . ورواه أبو داود وابن ماجة من حديث مجالد به نحوه « 1 » . ولفظ أبي داود عن جابر ، قال : جاءت اليهود برجل وامرأة منهم زنيا ، فقال « ائتوني بأعلم رجلين منكم » فأتوه بابني صوريا ، فنشدهما « كيف تجدان أمر هذين في التوراة ؟ » قالا : نجد إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة ، رجما ، قال « فما يمنعكم أن ترجموهما ؟ » قالا : ذهب سلطاننا فكرهنا القتل ، فدعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالشهود ، فجاء أربعة ، فشهدوا أنهم رأوا ذكره مثل الميل في المكحلة ، فأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم برجمهما ، ثم رواه أبو داود عن الشعبي وإبراهيم النخعي مرسلا ، ولم يذكر فيه : فدعا بالشهود فشهدوا . فهذه الأحاديث دالة على أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، حكم بموافقة حكم التوراة ، وليس هذا من باب الإكرام لهم بما يعتقدون صحته ، لأنهم مأمورون باتباع الشرع المحمدي لا محالة ، ولكن هذا بوحي خاص من اللّه عز وجل إليه بذلك ، وسؤاله إياهم عن ذلك ، ليقررهم على ما بأيديهم مما تواطؤوا على كتمانه وجحده وعدم العمل به تلك الدهور الطويلة ، فلما اعترفوا به مع علمهم على خلافه بان زيغهم وعنادهم وتكذيبهم لما يعتقدون صحته من الكتاب الذي بأيديهم ، وعدولهم إلى تحكيم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إنما كان عن هوى منهم ، وشهوة لموافقة آرائهم لا لاعتقادهم صحة ما يحكم به ، ولهذا قالوا إِنْ أُوتِيتُمْ هذا أي : الجلد والتحميم ، فخذوه ،

--> ( 1 ) سنن أبي داود ( حدود باب 25 ) وسنن ابن ماجة ( حدود باب 10 )